عبد الملك الجويني

310

الشامل في أصول الدين

واضحة . فإن من خصائص الأعراض امتناع قبول المعاني ، وسنوضح في الصفات وجوب كون القديم حيا ، عالما ، قادرا ، مريدا ، ونقرر استحالة ثبوت هذه الأحكام من غير حياة وعلم وقدرة وإرادة . والعرض لا يقبل المعاني ، وقد قدمنا في ذلك صدرا من الكلام . ومن صفات الأعراض الاحتياج إلى المحل ، وسنوضح في باب « الغنى والحاجة » استحالة ذلك . على أنه وإن قام بمحله ، فلا بد أن يكون حيا ، عالما ، قادرا ليكون صانعا ، والمحل الموصوف به ؛ القابل له أولى بالإلهية . وسنشبع القول في ذلك في الصفات . ولا يستقيم شيء مما ذكرناه على أصول المعتزلة ، إذ من أصلهم بقاء الأعراض . ولا يمكنهم التمسك بما عليه المعوّل من أنه لو كان عرضا لاستحال أن يكون عالما بعلم . ومن أصلهم أن كون الإله عالما من صفات نفسه ، ولا امتناع في أن يثبت للعرض صفات النفس . ولا يمكنهم أن يتمسكوا في ذلك بالاحتياج إلى المحل ، فإنهم أثبتوا أجناسا من الأعراض موجودة في غير محل ، وسدوا على أنفسهم طرق التوصل إلى ذلك . باب في ذكر تأويل جمل من ظواهر الكتاب والسنة اعلموا وفقكم اللّه أنا كنا على أن نجزئ بما ذكره الأستاذ أبو بكر في تصنيفه المذكور المشهور المشتمل على تأويل مشكلات الأخبار ، ولكن اقتضى الحال أن نذكر أصول التأويلات ومآخذها ، ونرشد إلى جميع مداركها مع إثبات الاختصار ، واللّه الموفق للصواب . وسبيلنا أن نبدأ بظواهر من كتاب اللّه تعالى ، ونذكر وجوه التأويل فيها ، ثم نذكر بعد تقدر الفراغ منها جملا من السنن الواقعة من المساند المصححة عند الإثبات والثقات ، ثم نشير إلى جمل من المتأكد التي يتمسك بها الحشوية ، ونوضح أنها لو صحت ، لم تضق مسالك التأويل منها . فمما تمسكوا به من آي من كتاب اللّه قوله سبحانه اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] . وسبيل الكلام على الآية أن نقول للمستدل بظاهر الآية : تخالف معتقد كافة أهل القبلة ، فإن أحدا من المنتمين إلى الملة لم يصر إلى أن نور السماوات والأرضين وضياؤهما وإشراقهما ، هو الإله المعبود . وقد ذهب بعض الغلاة من المشبهة إلى القول بقدم الأنوار ، وما صار أحد إلى [ أن ] ما نشاهد من الأنوار هو الإله ، فاستوت الأقدام في بغية التأويل إن رمناه . ثم نقول : قد ذكر أهل التفسير وجهين في تأويل الآية . أحدهما : أن قالوا : معنى قول